زكريا القزويني

322

آثار البلاد واخبار العباد

ومائتين عن خمس وسبعين سنة . وحكى الحسن بن مروان قال : رأيت بشرا الحافي في المنام بعد موته فقلت له : أبا نصر ما فعل اللّه بك ؟ فقال : غفر لي ولكلّ من تبع جنازتي ! وكانت جنازته قد رفعت أوّل النهار ، فما وصل إلى القبر إلّا وقت العشاء لكثرة الخلق . وقال لي خزيمة : رأيت أحمد بن حنبل في المنام فقلت له : ما فعل اللّه بك ؟ قال : غفر لي وتوّجني وألبسني نعلين من ذهب ! قلت : فما فعل اللّه ببشر ؟ قال : بخ بخ ! من مثل بشر تركته بين يدي الخليل وبين يديه مائدة الطعام ، والخليل مقبل عليه وهو يقول له : كل يا من لم يأكل ، واشرب يا من لم يشرب ، وأنعم يا من لم ينعم ! وقال غيره : رأيت بشرا الحافي في المنام فقلت : ما فعل اللّه بك ؟ قال : غفر لي وقال يا بشر أما استجبت مني وكنت تخافني كلّ ذلك الخوف ؟ ورآه غيره فقال له : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : قال لي يا بشر لقد توفيتك يوم توفيتك وما على وجه الأرض أحبّ إليّ منك ! وينسب إليها أبو عبد اللّه الحرث بن أسد المحاسبي . كان عديم النظير في زمانه علما وورعا وحالا . كان يقول : ثلاثة أشياء عزيزة : حسن الوجه مع الصيانة ، وحسن الخلق مع الديانة ، وحسن الإجابة مع الأمانة ، مات أبوه أسد المحاسبي وخلّف من المال ألوفا ما أخذ الحرث منه حبّة ، وكان محتاجا إلى دانق ، وذاك لأن أباه كان رافضيّا . فقال الحرث : أهل ملّتين لا يتوارثان ! وحكى الجنيد : ان المحاسبي اجتاز بي يوما فرأيت أثر الجوع في وجهه ، فقلت : يا عمّ لو دخلت علينا ساعة ! فدخل فعمدت إلى بيت عمّي ، وكان عندهم أطعمة فاخرة ، فجئت بأنواع من الطعام ووضعته بين يديه . فمدّ يده وأخذ لقمة رفعها إلى فيه يلوكها ولا يزدردها ، ثمّ قام سريعا ورمى اللقمة في الدهليز وخرج ما كلّمني . فلمّا كان الغد قلت : يا عمّ سررتني ثمّ نغّصت عليّ ! فقال : يا بنيّ أمّا الفاقة فكانت شديدة ، وقد اجتهدت أن أنال من الطعام الذي جعلته بين يديّ . ولكن بيني وبين اللّه علامة ، وهي أن الطعام إذا لم يكن